المقريزي

317

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

الدّعوة التّاسعة - هي النّتيجة التي يحاول الدّاعي ، بتقرير جميع ما تقدّم ، رسوخها في نفس من يدعوه . فإذا تيقّن أنّ المدعو تأهّل لكشف السّرّ والإفصاح عن الرّموز ، أحاله على ما تقرّر في كتب الفلاسفة من علم الطّبيعيات وما بعد الطّبيعة والعلم الإلهي ، وغير ذلك من أقسام العلوم الفلسفية ؛ حتى إذا تمكّن المدعو من معرفة ذلك ، كشف الدّاعي قناعه وقال : ما ذكر من الحدوث والأصول رموز إلى معاني المبادي وتقلّب الجواهر ، وإنّ الوحي إنّما هو صفاء النّفس ، فيجد النّبيّ في فهمه ما يلقى إليه ويتنزّل عليه ، فيبرزه إلى النّاس ، ويعبّر عنه بكلام اللّه الذي ينظم به النّبيّ شريعته ، بحسب ما يراه من المصلحة في سياسة الكافّة . ولا يجب حينئذ العمل بها إلّا بحسب الحاجة من رعاية مصالح الدّهماء ، بخلاف العارف فإنّه لا يلزمه العمل بها ، ويكفيه معرفته فإنّها اليقين الذي يجب المصير إليه ، وما عدا المعرفة من سائر المشروعات ، فإنّما هي أثقال وآصار حملها الكفّار أهل الجهالة لمعرفة الأعراض والأسباب . ومن جملة المعرفة عندهم أنّ الأنبياء النّطقاء أصحاب الشّرائع إنّما هم لسياسة العامّة ، وأنّ الفلاسفة أنبياء حكمة الخاصّة ، وأنّ الإمام إنّما وجوده في العالم الرّوحاني إذا صرنا بالرّياضة في المعارف إليه ، وظهوره الآن إنّما هو ظهور أمره ونهيه على لسان أوليائه ، ونحو ذلك ممّا هو مبسوط في كتبهم وهذا حاصل علم الدّاعي ، ولهم في ذلك مصنّفات كثيرة منها اختصرت ما تقدّم ذكره . ابتداء هذه الدّعوة اعلم أنّ هذه الدّعوة منسوبة إلى شخص كان بالعراق يعرف بميمون القدّاح ، وكان من غلاة الشّيعة . فولد ابنا عرف بعبد اللّه بن ميمون ، اتّسع علمه / ، وكثرت معارفه ، وكاد أن يطّلع على جميع مقالات الخليفة ، فرتّب له مذهبا ، وجعله في سبع دعوات ، ودعا النّاس إلى مذهبه ، فاستجاب له خلق ، وكان يدعو إلى الإمام محمّد بن إسماعيل ، وظهر من الأهواز ونزل بعسكر مكرم ، فصار له مال واشتهرت دعاته ، فأنكر النّاس عليه وهمّوا به ، ففرّ إلى البصرة ومعه من أصحابه الحسين الأهوازي . فلمّا انتشر ذكره بها طلب ، فصار إلى بلاد الشّام وأقام بسلميّة ، وبها ولد له ابنه أحمد ، فقام من بعد أبيه عبد اللّه بن ميمون ، فسيّر الحسين الأهوازي داعية له إلى العراق ، فلقي حمدان بن الأشعث المعروف بقرمط بسواد الكوفة ، فدعاه واستجاب له ، وأنزله عنده . وكان من أمره ما هو مذكور في أخبار القرامطة من كتابنا هذا ، عند ذكر المعزّ لدين اللّه معدّ .